السيد نعمة الله الجزائري
211
الأنوار النعمانية
وغصبه ، وحاصل معنى الآية حينئذ أن إعطاء الملك بيدك فمن كان في علمك قابلا له نوهت بإسمه في هذا العالم وقررت أن يكون هو الملك والسلطان كأهل البيت عليهم السّلام والمجتهدين من شيعتهم بعدهم ؛ ومن لم يكن في علمك قابلا للملك كأعداء آل محمد ومخالفيهم نزعته عن الملك وما أعلمت العباد إلا بعدم استحقاقه للملك ؛ فإن الخليل عليه السّلام لما جعل ملكا وسلطانا وإماما لكافة الناس أراد إبقاء هذا الملك في ذريته فقال ومن ذريتي ، فأجابه تعالى لا ينال عهدي الظالمين ، فأسمعه في القديم أنّ من كان ظالما كان معزولا عن الملك والدولة والإلهية ، فلينظر الوالي والملك الموالين لأهل البيت عليهم السّلام فإن كانوا من أهل الظلم والتعدي كانوا في معزل عن أن يكونوا قد آتاهم اللّه الملك ، وإن كانوا من أهل العدل وفي مقام قضاء حوائج الشيعة والتحنن على فقرائهم فليعلموا أنه ملك من اللّه سبحانه ودولة ساقها اللّه إليهم فيجب عليهم القيام بشكرها واعلم أنه ينبغي للولاة والسلاطين أن يجعلوا لهم وقتا خاصا مع ربهم يتضرعون فيه إليه وينزعون ثياب الملك ويلبسون الثياب الخشنة ويقرون له بالعبودية ليكون كفارة ما أظهروه من الجبروت في حضور الخلايق ، وقد نقل أهل السير والتواريخ أن عمر بن عبد العزيز كان له في كل يوم بيت يدخله وحده ويغلق عليه بابه ويلبث فيه كثيرا ثم يخرج منه ، فلما توفي وجلس في مكانه يزيد بن عبد الملك سأل خواص بن عبد العزيز عن خزانته ؛ فقالوا لا نعلم له خزانة ولكن له موضع كان يتفرد به وحده فلعل خزانته تكون هناك ، فلما ذهبوا إلى ذلك البيت وفتحوا قفله رأوه بيتا خاليا من الفروش أرضا بيضاء وفيه مكان مفروش بالتراب فوق الأرض مقدار ما يصلي فيه الإنسان عنده ثياب خشنة بعضها من الليف وبعضها من الكرباس الغليظ ؛ وفوقها طوق من الحديد كان يضعه في عنقه ويلبس تلك الثياب ويجلس فوق ذلك التراب للبكاء والتضرع ونقل مثل هذا وأمثاله من أطوار الملك الجليل الشاه عباس الأول أسكنه اللّه بحابيح الجنان وحكى رجل كان يخدمه لما كان ذلك الرجل صغير السن ، قال أمرني ذات يوم بحمل الإبريق معه ليتطهر به من البول قال ذلك الولد فحملته ومشيت خلفه حتى صعد إلى سطح عال في بيوته ، فلما انتيت معه إلى أول السطح أخذ الإبريق من يدي وقال لي أجلس هنا حتى أرجع إليك ؛ فأجلسني في مكان لا أراه فيه فغاب عني طويلا حتى خفت عليه ؛ فلحقته فرأيته ساجدا وهو يبكي وخده ملصق بالأرض وقد صار تحته شبه الطين من الدموع ، ثم رفع رأسه وغضب علي فاعتذرت إليه إني خفت عليك بطول مقامك على السطح فصببت الماء على يديه وغسل وجهه ، فلوى أذني وقال لا يخرج منك شيء وإن سألك أحد من الخدام والعبيد فقل كان الشاه يلوط بي .